وصفها المراقبون حينها بـ”كرة قدم لن تتكرر”، بعدما شهد ملعب لوزان الأولمبي واحدة من أكثر المباريات إثارة في تاريخ كأس العالم، حيث انتهت مواجهة النمسا وسويسرا بنتيجة 7-5 في ربع نهائي مونديال 1954، في لقاء سجل 12 هدفًا دفعة واحدة.
ورغم مرور أكثر من سبعة عقود، لا يزال هذا الرقم صامدًا كأكثر مباراة تهديفًا في تاريخ البطولة، حيث اقتربت منه منتخبات المجر والسلفادور في نسخة 1982 بنتيجة 10-1، لكنها بقيت بعيدة بهدفين عن معادلة الرقم القياسي.
دخل المنتخب النمساوي البطولة بقوة، حيث فاز على اسكتلندا (1-0) ثم اكتسح تشيكوسلوفاكيا (5-0)، ليبلغ الأدوار الإقصائية بسهولة، مستفيدًا من نظام البطولة آنذاك الذي كان يضم 16 منتخبًا فقط موزعين على أربع مجموعات.
في المقابل، واجهت سويسرا طريقًا أصعب، بعدما تأهلت من مجموعة قوية، حيث فازت على إيطاليا (2-1) وخسرت أمام إنجلترا (0-2)، قبل أن تعود وتتفوق مجددًا على إيطاليا (4-1)، ما كلفها مجهودًا بدنيًا كبيرًا قبل مواجهة ربع النهائي.
وفي يوم المباراة، ارتفعت درجات الحرارة في لوزان إلى أكثر من 30 درجة مئوية، ما دفع الصحافة لإطلاق لقب “مباراة في الجحيم” على هذا اللقاء، خاصة مع الإرهاق الذي عانى منه لاعبو سويسرا مقارنة بالنمسا التي حظيت بفترة راحة أطول.
بدأت سويسرا المباراة بقوة، حيث سجل روبرت بالامان الهدف الأول في الدقيقة 16، قبل أن يضيف جوزيف هوغي هدفين متتاليين، ليجد المنتخب النمساوي نفسه متأخرًا بثلاثية نظيفة خلال دقائق قليلة.
لكن الرد النمساوي جاء سريعًا، حيث سجل ثيودور فاغنر هدف تقليص الفارق، ثم تعادل الفريق خلال ثلاث دقائق فقط عبر ألفريد كيرنر وفاغنر مجددًا، في تحول دراماتيكي أعاد المباراة إلى نقطة البداية.
واستمر الضغط النمساوي، ليضيف أوتسفيرك الهدف الرابع، ثم عزز كيرنر النتيجة، قبل أن تقلص سويسرا الفارق مجددًا إلى 5-4 مع نهاية الشوط الأول، الذي شهد إهدار ركلة جزاء من الجانب النمساوي.
وفي الشوط الثاني، أضاف فاغنر هدفه الثالث (هاتريك) في الدقيقة 53، ورد عليه هوغي بالهدف الخامس لسويسرا، قبل أن يحسم إريك بروبست النتيجة بهدف سابع للنمسا، لتنتهي المباراة بنتيجة 7-5.
ورغم هذا الانتصار التاريخي، تأثرت النمسا بدنيًا في نصف النهائي، حيث خسرت أمام ألمانيا الغربية بنتيجة 6-1، قبل أن تستعيد توازنها وتفوز بالمركز الثالث على حساب الأوروغواي (3-1).
وشهدت المباراة بروز عدد من النجوم، أبرزهم ثيودور فاغنر الذي أصبح لاحقًا أحد رموز الكرة النمساوية، وجوزيف هوغي الذي لا يزال الهداف التاريخي لنادي بازل، إضافة إلى ألفريد كيرنر الذي عاش حتى سن 93 عامًا.
كما تميزت مسيرة إرنست أوتسفيرك، الذي انتقل لاحقًا إلى الدوري الإيطالي وبدأ مسيرته التدريبية، في حين برز إريك بروبست كأحد هدافي النمسا في تلك البطولة.
أما على مستوى المدربين، فقد قاد فالتر ناوش النمسا لتحقيق المركز الثالث قبل أن يتوفى في سن مبكرة، بينما اشتهر كارل رابان كأحد رواد الفكر التكتيكي، حيث ساهم في تطوير أسلوب دفاعي أصبح لاحقًا أساسًا لأسلوب “كاتيناتشو”.
وتبقى هذه المباراة واحدة من أعظم المواجهات في تاريخ كرة القدم، ليس فقط بسبب عدد الأهداف، بل لما حملته من دراما وتقلبات جعلتها خالدة في ذاكرة المونديال.





